القاضي عبد الجبار الهمذاني

مقدمة 43

متشابه القرآن

2 - ويجد في قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ في آية الصوم ، ما يدل على أنه تعالى لا يريد بالعباد الكفر وأن يعذبهم في الآخرة ؛ لأنه تعالى « إذا امتن علينا بأنه لا يريد بنا العسر الذي هو عمل المشقة بالصوم ، رحمة بنا ورأفة ، فكيف يجوز أن نتصور أنه يريد مع ذلك بالعبد أن يكفر ويخلد بين أطباق النيران ؟ . ولو أن أحدنا أقبل على ولده ، فقال : لا أريد منك مع إشفاقى عليك أن تنصرف في أيام القيظ ، لم يجز أن يتصور مع ذلك أنه يريد أن يعذبه بالنار . وهذا مما يأباه العقل » « 1 » . 3 - ويؤكد في موضع آخر ، عند الكلام على أن مرتكب الكبيرة إذا تاب لا يعاقب بالخلود في النار ، على أن ما دل العقل على اشتراطه هو في حكم المتصل بالقول ، لأنه تعالى لا يجوز أن يعاقب من بذل مجهوده في تلافى ما كان منه ، فإذا كان قوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها دالا على مذهب المعتزلة أن من فعل ذلك من أهل الصلاة يخلد في النار ، فقد قال القاضي : ما لم يتب ، لأن اشتراط التوبة معلوم بالعقل ، « وما دل العقل الصحيح على اشتراطه هو في حكم المتصل بالقول ، وإن كان تعالى قد بين كونه شرط في مواضع » . « 2 » 4 - ومما يستدل به القاضي على فساد قول المجبرة قوله تعالى : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فلم يتعلق هؤلاء الذين رأوا العذاب إلا بهذا القول ، ولو كان الأمر كما تقوله المجبرة لكان الأولى أن يقولوا إنك أوقعتنا في الظلم ، أو منعتنا من الإيمان بسلب القدرة عليه . . . الخ . . .

--> ( 1 ) المصدر السابق . ص : 118 . ( 2 ) المصدر السابق . ص : 179 .